محمد المختار ولد أباه

463

تاريخ النحو العربي في المشرق والمغرب

وبعبارة أخرى ، هل قصّر إبداع السيوطي عن إعماله فكره في معالجة القضايا التي تناولها بالبحث فاقتصر منهجه على المقارنة ، والتأليف بين الأشباه والنظائر في كل فن ؟ ومما يرشد إلى هذا المنحى أمران أحدهما عزوف الامام السيوطي عن العلوم العقلية ، لأنه لما طلب مبادئ المنطق ألقى اللّه كراهيته فيقلبه ففرج اللّه عنه بفتوى ابن الصلاح بتحريمه ، فعوضه اللّه عنه أشرف العلوم وهو علم الحديث . وكذلك علم الحساب فهو أعسر شيء عليه وأبعده عن ذهنه ، كما قال : وإذا نظرت في مسألة تتعلق به فكأنما أحاول جبلا أحمله « 1 » . ثانيهما : أنه في أكثر مصنفاته ينطلق من كتاب أو مجموعة من الكتب في الفن الذي أراد أن يكتب إما بجمعها وترتيبها مثل جمع الجامع في الحديث والنحو ، وإما أن يعتمد على مؤلف معين فيهذبه ويضيف إليه ما جد بعده من المصنفات حتى قال السخاوي « إن له مؤلفات كثيرة مع كثرة ما يقع له من التحريف والتصحيف فيها وما ينشأ من عدم فهم المراد لكونه لم يزاحم الفضلاء في دروسهم ولا جلس بينهم في مسائهم وتعريسهم ، بل استبد بالأخذ من بطون الدفاتر والكتب ، وأخذ من كتب المحمودية وغيرها من التصانيف القديمة التي لا عهد لكثير من العصريين بها في فنون شتى ، فغير فيها شيئا يسيرا وقدم وأخر ونسب لنفسه وهوّل في مقدماتها » « 2 » . والغالب في مصنفاته تلخيص كتب الآخرين ، فقيمتها العلمية توزن بقيمة صاحب الكتاب الأصلي والتضارب الحاصل فيها يعود إلى اختلاف الكتب الملخصة . ومن ذلك أنه تبع الزركشي في الخلط بين قدامة بن مظعون وعثمان أخيه في شرب الخمر في عهد عمر بن الخطاب ، وفي الإتقان أوهام استغلها أعداء الاسلام ، ولم يتعب في الذيل بل اختصره من تراجم الدرر الكامنة . ومع ذلك فإن هذه الملاحظات المنهجية ، لا تغض من قيمة بحر زاخر ،

--> ( 1 ) المزهر : المقدمة ناقلة عن ترجمته لنفسه في « حسن المحاضرة » ، ص 14 . ( 2 ) الضوء اللامع ، 4 / 66 وص 68 .